عامان ونصف مرا على زيارتي لكينيا. ستة أيام فقط قضيتها في تلك البلاد، كانت أكثر من كافية لأستشعر تناقضاتها، ولأشعر بأن شيئًا ما فيها ليس على ما يرام.
لم أكن أعرف وقتها شيئًا عن مدى الانقسامات القبلية في كينيا، إلا أني لاحظت الفروقات الشاسعة بين بعض أحياء العاصمة. نيروبي التي جمعت أحياء تحاول جاهدة أن تذكر المار والسائح بنيويورك بمبانيها الشاهقة وأناسها ذوي البزات الرسمية بأحياء أخرى لم تستنهض من ذاكرتي إلا صور مخيمات لبنان بفقرها المدقع والمياه الراكدة في أزقتها والكتابات على جدرانها.
أذكر أيضًا أني رأيت في الطريق من المطار عمالاً يتوجهون في السادسة صباحًا إلى مصنع للأحذية، وكان المصنع تابعًا لشركة كبيرة تملك محالاً عديدة في الحي الذي تتركز فيه الفنادق. لا داعي للقول بأن سعر الحذاء الواحد يتجاوز راتب العامل في المصنع بعدة أضعاف، كاسرًا بذلك أدنى حقوق العمل المتمثلة بأن يقدر العامل على شراء على ما ينتج.
لماذا كل هذا؟ ولماذا هذه الذكريات الآن؟
لأن كينيا وقتها، بعقدها الجذابة المقيتة لم تذكرني إلا بلبنان، بلد التناقضات والاختلافات. لبنان الذي لا يفصل بين فندق الشيراتون الساحلي فيه، والجناح المطل على البحر، أحد أكثر أحياء بيروت فقرًا وبؤسًا وكآبة إلا جسر يقطع مشيًا بدقيقتين.
عودة الى كينيا التي تزامنت زيارتي لها بموجات عنف "محدودة" وصفت بأنها لا تشكل خطرًا على السلم الأهلي.
كينيا هذه، تفجرت الأوضاع فيها اليوم كاشفة عن أبشع أنواع الحقد والكراهية، حقد يمكن القاتل من حرق انسان لا لشيء إلا لأنه ينتمي الى عرق أو اثنية أو قبيلة مختلفة.
كينيا هذه، يفاخر سفاحوها اليوم أمام عدسات التصوير بسواطيرهم القاطرة دمًا وبأقواسهم وسهامهم البدائية، ليبصق الرجل الأبيض في وجوههم هاتفًا بأنهم أغبى من أن يستحقوا المساعدة.
في كينيا، سقط المئات قتلى، معظمهم حرقًا أو بالسواطير، أو بسلاح الجيش.
وفي لبنان، يتقافز بعض الشباب أمام الكاميرات هاتفين: "لنرى من الأقوى، السنة أم الشيعة"، في حين يهتف شاب آخر في حي آخر واصفًا "الآخرين" بأنهم ليسوا لبنانيين، مطالبًا إياهم بالهجرة إلى إيران وسوريا.
يشاهد عمرو موسى هؤلاء الشباب على شاشة تلفازه الفخم، ولا اعرف إن كان بصق أم لا، ويفكر: إنهم أغبى من أن يستحقوا المساعدة.
لم أكن أعرف وقتها شيئًا عن مدى الانقسامات القبلية في كينيا، إلا أني لاحظت الفروقات الشاسعة بين بعض أحياء العاصمة. نيروبي التي جمعت أحياء تحاول جاهدة أن تذكر المار والسائح بنيويورك بمبانيها الشاهقة وأناسها ذوي البزات الرسمية بأحياء أخرى لم تستنهض من ذاكرتي إلا صور مخيمات لبنان بفقرها المدقع والمياه الراكدة في أزقتها والكتابات على جدرانها.
أذكر أيضًا أني رأيت في الطريق من المطار عمالاً يتوجهون في السادسة صباحًا إلى مصنع للأحذية، وكان المصنع تابعًا لشركة كبيرة تملك محالاً عديدة في الحي الذي تتركز فيه الفنادق. لا داعي للقول بأن سعر الحذاء الواحد يتجاوز راتب العامل في المصنع بعدة أضعاف، كاسرًا بذلك أدنى حقوق العمل المتمثلة بأن يقدر العامل على شراء على ما ينتج.
لماذا كل هذا؟ ولماذا هذه الذكريات الآن؟
لأن كينيا وقتها، بعقدها الجذابة المقيتة لم تذكرني إلا بلبنان، بلد التناقضات والاختلافات. لبنان الذي لا يفصل بين فندق الشيراتون الساحلي فيه، والجناح المطل على البحر، أحد أكثر أحياء بيروت فقرًا وبؤسًا وكآبة إلا جسر يقطع مشيًا بدقيقتين.
عودة الى كينيا التي تزامنت زيارتي لها بموجات عنف "محدودة" وصفت بأنها لا تشكل خطرًا على السلم الأهلي.
كينيا هذه، تفجرت الأوضاع فيها اليوم كاشفة عن أبشع أنواع الحقد والكراهية، حقد يمكن القاتل من حرق انسان لا لشيء إلا لأنه ينتمي الى عرق أو اثنية أو قبيلة مختلفة.
كينيا هذه، يفاخر سفاحوها اليوم أمام عدسات التصوير بسواطيرهم القاطرة دمًا وبأقواسهم وسهامهم البدائية، ليبصق الرجل الأبيض في وجوههم هاتفًا بأنهم أغبى من أن يستحقوا المساعدة.
في كينيا، سقط المئات قتلى، معظمهم حرقًا أو بالسواطير، أو بسلاح الجيش.
وفي لبنان، يتقافز بعض الشباب أمام الكاميرات هاتفين: "لنرى من الأقوى، السنة أم الشيعة"، في حين يهتف شاب آخر في حي آخر واصفًا "الآخرين" بأنهم ليسوا لبنانيين، مطالبًا إياهم بالهجرة إلى إيران وسوريا.
يشاهد عمرو موسى هؤلاء الشباب على شاشة تلفازه الفخم، ولا اعرف إن كان بصق أم لا، ويفكر: إنهم أغبى من أن يستحقوا المساعدة.