واحد من اثنين، إما أن كل من كتب عن بيروت من العصور الغابرة إلى العقد الثامن من القرن الماضي كان يكذب، وإما ان شيئًا عظيمًا، وحدثا جللاً، أعظم من كل ما مر على البلاد من اغتيالات وانفجارات وحروب واحتلالات، قد حصل دون أن يراه أو ينتبه له أحد.
ربما، فقط ربما، يكون هذا الشيء ما فعله سكان بيروت بها، إذ سلموها إلى من دمرها.
فبيروت التي تحولت من مدينة منتجة ((صناعيا لا إباحيا)) تحولت إلى إحدى مراكز الاستهلاك الكبرى في المنطقة. بيروت التي حملت فعليا منارة الثقافة والمعرفة في المنطقة، تحولت إلى إحدى أقطاب العولمة في العالم العربي، بلا ثقافة مميزة، إلا ما خلا من أطياف الماضي، مما يسمح به النظام ليضحك على البسطاء ليقنعهم بأن المعرفة والثقافة مسموحة فعلا في هذا البلد. هذه النظام الذكي الذي يعطيك صورة طوباوية عن قدسية حرية التعبير، وعن فعالية الجامعات وما إلى ذلك، في حين أنها، أي الجامعات وما إلى ذلك، تحولت إلى مطاحن تطحن طموحات الشباب وآمالهم سلميًا وثقافيًا، عن طريق غمرهم بأحلام وردية عن الفتاة التي يريدون اصطحابها إلى البار ليلة الجمعة، فيصبح ذلك أقصى آمالهم ومنهى طموحاتهم، وإما بالقوة عن طريق التهديد والوعيد والتعرض لمن يعمل على التغيير. فلا حرية تعبير ولا يحزنون.
ويخيل إليك احيانًا ان المدينة قد ضاقت بسكانها، ربما نتيجة لطفرة سكانية مفاجئة؟ رغم أن جميع الاحصائيات تفيد بأن أعداد من يهاجرون ويهجون من البلاد أكبر بكثير ممن يعود ليستقر فيها أو يهاجر إليها.
ويدل على ذلك، أي أن المدينة بدات تضيق بقاطنيها، أن الأحمق الذي يقرر الخروج من بيته هذه الأيام، يدخل في دوامة من الاختناق المروري المفاجئ لا مخرج منها. والغريب أن سكان المدينة لم يبالوا بهذه اليد التي امتدت فجأة لتخنقهم، وكأنهم اعتادوا ذلك، أو أنهم سلموا بحسن نوايا هذه اليد مهما فعلت.
يحاول سائق سيارة الأجرة أن يهرب بركابه، والذين يصدف ان أكون منهم، فأين يقضي المرؤ يومه إن كان يتجه يوميًا من الضاحية إلى الحمرا ومنها مجددًا إلى الضاحية، أين يقضي هذا المسكين أغلب يومه إن ليس على الطرقات وفي سيارات الأجرة.
ويبدو أن علامات الضيق والقرف والإزدراء البادية على وجهي، وقد قيل لي أنها أصبحت مؤخرًا علامة مميزة لا تفارق محياي، وأنا شخصيًا أعتقد أنها طبعت على وجهي إثر الصفعة المعنوية التي تلقيتها في أزمنة غابرة عندما أدركت حقيقة واقع أن يكون المرؤ فلسطينيا في هذا الواقع الذي نعيش. بعيدًا عن التفاصيل الشخصية، يبدو أن الهلع قد دب في السائق إثر رؤية هذه العلامات، وخاف أن أقدم من العدم على تصرف جنوني، كأن أمد يدي لأفك رأسه عن جسده، فقرر توخيًا لسلامته الشخصية، أن يقدم على تصرف أحمق، ولكن أقل حماقة في رأيه، من إثارة غضبي بالوقوف ساكنين متنعمين بهذا الازدهار المفاجئ في الحركة المرورية. بناء عليه، قرر السائق أن "يزورب" عل وعسى يتمكن من أن يهربنا من الازدحام، فدخل في أقرب شارع جانبي، مخالفا اتجاه السير، ليبدأ رحلة الزواريب. وأعتقد ان انفراجًا ما قد حل بأساريري، ما زاد السائق حماسة فزاد بدوره من سرعة سيارته ليصل إلى آخر الزاروبة ليوقفه رجل امن كان على ما يبدو متأهبا للسيارة بالمرصاد منذ أن لمح أضواءها في اول الشارع الصغير.
اندفع رجل الأمن المقدام ليوقف السائق صارخًا بوجهه: هل أنت ضائع؟ أو أنك لا تعرف أين أنت؟
كنت على وشك ان أسأل الرجل عن مكان تواجدنا، إذ بدت لي هذه البقعة غريبة بسبب خلوها من السيارات وامتلائها بالحواجز الحديدية. إلا أن السائق، وكانت تبدو عليه علامات من كشف متلبسًا بالجرم المشهود، أجاب بأنه يعرف اين هو، وبالقرب من أي بيت نتواجد. فدخل الشرطي في محاضرة طويلة ليصف بالتفصيل الممل أي مصير شنيع قد يحل بالسائق إن هو، اي الجندي، قرر ان يأخذ اوراقه ويضعه قيد الإعتقال، داخلاً في دقائق عملية الضرب والبهدلة التي سيتعرض لها السائق في الظلام في مكان تحت الأرض لا يعلمه الا الله((وكنت أنا شخصيًا سمعت كلامًا مشابهًا من عجوز ستيني يرتدي بدلة ويصادف انه عميد في جامعتي، يبدو أن هؤلاء الأشخاص من الشرطي إلى عميد الجامعة يقرؤون نفس الكتاب كل ليلة)) وكان محضر الجريمة يرتسم في خيالي وعليه كتب: الجريمة/ قيادة سيارته بجانب بيت الزعيم الخرائي الكبير.
وكأن هذا الزعيم الكبير، ومثله جميع زعماء لبنان، يملك البلاد والعباد، وكأن الشارع ملك لأبيه فيمنع الناس من أن يمروا به خوفًا من سلامته الشخصية.
المهم أن المسألة حلت سلميا، بعد ان تدخلت راكبة كانت في السيارة لترجو الحندي الشهم صاحب القرار بأن "يمشيلنا اياها هيدي المرة"، فقرر الفارس النبيل ذي الثياب العسكرية النظيفة، والتي لا يفوقها نظافة الا عقل من قررأن شخصًا كهذا اهل لهكذا منصب وثياب ومسؤولية، اقول أن الفارس النبيل القادم من العصور الوسطى، التي أتت منها أيضًا الاقطاعية السياسية الحديثة التي تسمح لكل خرا كبيرة بأن يعلن انه يملك الشارع، وأن باستطاعته ربما فرض جزية على من يريد استخدامه. قام الفارس النبيل الشجاع المقدام الذي استجاب لطلبات الفتاة وحدها ((يجب ان أتذكر أني في لبنان، منبر الحضارة والتقدم والمساوة الجنسية في الشرق الأوسط)) فسمح لنا بالخروج، ولكن فقط إلى الطريق التي أتينا منها لنعلق مجددًا في سيل السيارات اللامنتهي، ولأعلق في رأسي بسيل لا ينتهي من اللعنات والمسبات على الزعيم الكبير، ابن الزعيم الكبير، وحبيب روح الماما الذي اعلن أنه يخاف على نفسه من مسلسل الانفجارات فمنع تنقل السيارات قرب بيته في دائرة تتسع يومًا بعد يوم، حتى وليخيل إلي أنها ستشمل لبنان كله ذات يوم.
ربما، فقط ربما، يكون هذا الشيء ما فعله سكان بيروت بها، إذ سلموها إلى من دمرها.
فبيروت التي تحولت من مدينة منتجة ((صناعيا لا إباحيا)) تحولت إلى إحدى مراكز الاستهلاك الكبرى في المنطقة. بيروت التي حملت فعليا منارة الثقافة والمعرفة في المنطقة، تحولت إلى إحدى أقطاب العولمة في العالم العربي، بلا ثقافة مميزة، إلا ما خلا من أطياف الماضي، مما يسمح به النظام ليضحك على البسطاء ليقنعهم بأن المعرفة والثقافة مسموحة فعلا في هذا البلد. هذه النظام الذكي الذي يعطيك صورة طوباوية عن قدسية حرية التعبير، وعن فعالية الجامعات وما إلى ذلك، في حين أنها، أي الجامعات وما إلى ذلك، تحولت إلى مطاحن تطحن طموحات الشباب وآمالهم سلميًا وثقافيًا، عن طريق غمرهم بأحلام وردية عن الفتاة التي يريدون اصطحابها إلى البار ليلة الجمعة، فيصبح ذلك أقصى آمالهم ومنهى طموحاتهم، وإما بالقوة عن طريق التهديد والوعيد والتعرض لمن يعمل على التغيير. فلا حرية تعبير ولا يحزنون.
ويخيل إليك احيانًا ان المدينة قد ضاقت بسكانها، ربما نتيجة لطفرة سكانية مفاجئة؟ رغم أن جميع الاحصائيات تفيد بأن أعداد من يهاجرون ويهجون من البلاد أكبر بكثير ممن يعود ليستقر فيها أو يهاجر إليها.
ويدل على ذلك، أي أن المدينة بدات تضيق بقاطنيها، أن الأحمق الذي يقرر الخروج من بيته هذه الأيام، يدخل في دوامة من الاختناق المروري المفاجئ لا مخرج منها. والغريب أن سكان المدينة لم يبالوا بهذه اليد التي امتدت فجأة لتخنقهم، وكأنهم اعتادوا ذلك، أو أنهم سلموا بحسن نوايا هذه اليد مهما فعلت.
يحاول سائق سيارة الأجرة أن يهرب بركابه، والذين يصدف ان أكون منهم، فأين يقضي المرؤ يومه إن كان يتجه يوميًا من الضاحية إلى الحمرا ومنها مجددًا إلى الضاحية، أين يقضي هذا المسكين أغلب يومه إن ليس على الطرقات وفي سيارات الأجرة.
ويبدو أن علامات الضيق والقرف والإزدراء البادية على وجهي، وقد قيل لي أنها أصبحت مؤخرًا علامة مميزة لا تفارق محياي، وأنا شخصيًا أعتقد أنها طبعت على وجهي إثر الصفعة المعنوية التي تلقيتها في أزمنة غابرة عندما أدركت حقيقة واقع أن يكون المرؤ فلسطينيا في هذا الواقع الذي نعيش. بعيدًا عن التفاصيل الشخصية، يبدو أن الهلع قد دب في السائق إثر رؤية هذه العلامات، وخاف أن أقدم من العدم على تصرف جنوني، كأن أمد يدي لأفك رأسه عن جسده، فقرر توخيًا لسلامته الشخصية، أن يقدم على تصرف أحمق، ولكن أقل حماقة في رأيه، من إثارة غضبي بالوقوف ساكنين متنعمين بهذا الازدهار المفاجئ في الحركة المرورية. بناء عليه، قرر السائق أن "يزورب" عل وعسى يتمكن من أن يهربنا من الازدحام، فدخل في أقرب شارع جانبي، مخالفا اتجاه السير، ليبدأ رحلة الزواريب. وأعتقد ان انفراجًا ما قد حل بأساريري، ما زاد السائق حماسة فزاد بدوره من سرعة سيارته ليصل إلى آخر الزاروبة ليوقفه رجل امن كان على ما يبدو متأهبا للسيارة بالمرصاد منذ أن لمح أضواءها في اول الشارع الصغير.
اندفع رجل الأمن المقدام ليوقف السائق صارخًا بوجهه: هل أنت ضائع؟ أو أنك لا تعرف أين أنت؟
كنت على وشك ان أسأل الرجل عن مكان تواجدنا، إذ بدت لي هذه البقعة غريبة بسبب خلوها من السيارات وامتلائها بالحواجز الحديدية. إلا أن السائق، وكانت تبدو عليه علامات من كشف متلبسًا بالجرم المشهود، أجاب بأنه يعرف اين هو، وبالقرب من أي بيت نتواجد. فدخل الشرطي في محاضرة طويلة ليصف بالتفصيل الممل أي مصير شنيع قد يحل بالسائق إن هو، اي الجندي، قرر ان يأخذ اوراقه ويضعه قيد الإعتقال، داخلاً في دقائق عملية الضرب والبهدلة التي سيتعرض لها السائق في الظلام في مكان تحت الأرض لا يعلمه الا الله((وكنت أنا شخصيًا سمعت كلامًا مشابهًا من عجوز ستيني يرتدي بدلة ويصادف انه عميد في جامعتي، يبدو أن هؤلاء الأشخاص من الشرطي إلى عميد الجامعة يقرؤون نفس الكتاب كل ليلة)) وكان محضر الجريمة يرتسم في خيالي وعليه كتب: الجريمة/ قيادة سيارته بجانب بيت الزعيم الخرائي الكبير.
وكأن هذا الزعيم الكبير، ومثله جميع زعماء لبنان، يملك البلاد والعباد، وكأن الشارع ملك لأبيه فيمنع الناس من أن يمروا به خوفًا من سلامته الشخصية.
المهم أن المسألة حلت سلميا، بعد ان تدخلت راكبة كانت في السيارة لترجو الحندي الشهم صاحب القرار بأن "يمشيلنا اياها هيدي المرة"، فقرر الفارس النبيل ذي الثياب العسكرية النظيفة، والتي لا يفوقها نظافة الا عقل من قررأن شخصًا كهذا اهل لهكذا منصب وثياب ومسؤولية، اقول أن الفارس النبيل القادم من العصور الوسطى، التي أتت منها أيضًا الاقطاعية السياسية الحديثة التي تسمح لكل خرا كبيرة بأن يعلن انه يملك الشارع، وأن باستطاعته ربما فرض جزية على من يريد استخدامه. قام الفارس النبيل الشجاع المقدام الذي استجاب لطلبات الفتاة وحدها ((يجب ان أتذكر أني في لبنان، منبر الحضارة والتقدم والمساوة الجنسية في الشرق الأوسط)) فسمح لنا بالخروج، ولكن فقط إلى الطريق التي أتينا منها لنعلق مجددًا في سيل السيارات اللامنتهي، ولأعلق في رأسي بسيل لا ينتهي من اللعنات والمسبات على الزعيم الكبير، ابن الزعيم الكبير، وحبيب روح الماما الذي اعلن أنه يخاف على نفسه من مسلسل الانفجارات فمنع تنقل السيارات قرب بيته في دائرة تتسع يومًا بعد يوم، حتى وليخيل إلي أنها ستشمل لبنان كله ذات يوم.