الخميس، ٦ سبتمبر، ٢٠٠٧

نهر البارد: هزيمة، انتصار أم اندحار؟

يمكننا أن نقرأ الأحداث المتتالية التي حدثت في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين بأكثر من منظور، وتحتاج دراسة كل جانب فيها، الإعلامي والسياسي والعسكري والاقتصادي، إلى مجلدات كاملة.

ولكن باختصار...

نهر البارد انتصار للجيش اللبناني على قوى الإرهاب الإقليمية المدعومة من جهات سياسية.

نهر البارد انتصار للعنصرية والعنجهية الظاهرة في تصريحات السياسيين والعامة، إذ لم يفرقوا بين تنظيم تخرج العديد من أفراده من كهوف أفغانستان، وحقول الشيشان، وخنادق العراق، وهؤلاء شباب مغرر بهم فقدوا القدرة على قراءة البوصلة، وبين الطفلة الفلسطينية التي تلهو في أزقة المخيم الفقير. كما ظهرت هذه العنصرية في بداية المعارك، حيث أخذ بعض الإخوة من القاطنين حول المخيم بقنص الخارجين منه بلا تمييز بين فلسطيني وإرهابي، ولا بين طفل أوامرأة وبين حامل للسلاح.

نهر البارد انتصار لعسكرة المجتمع اللبناني، وانتصار لعقيدة الجيوش التي لم تتوافق يومًا مع عقيدة الحرية والتصويت والبرلمانات ومؤسسات الدولة.

أما من ناحية أخرى...

نهر البارد هزيمة للإعلام الحر، واستسلام للضغوط والتهديدات المفروضة عليه. حيث رضخت جميع وسائل الإعلام العربية والغربية، بلا استثناء، فلم تجرؤ على نقل الصورة كاملة، وتجاهلت المآسي والمعاناة والشهداء المدنيين من الفلسطينيين. ولسخرية القدر، كانت أكثر وسائل الإعلام مقاربة للحقيقة، وسائل الإعلام الإسرائيلية. لغاية في نفس يعقوب طبعًا لا لسواد عيون الفلسطينيين أو احمرارها.

نهر البارد هزيمة للمنظمات الأهلية غير الحكومية، وللجمعيات الخيرية الحزبية وغير الحزبية، حيث لم تقم أي منها، وعلى رأسها الأونروا، بعملها على أكمل وجه، ولا حتى اقل وجه.

نهر البارد هزيمة لحق العودة، حق عودة اللاجئين إلى مخيمهم ولاحقًا إلى بلدهم الأم.

نهر البارد هزيمة للوحدة الوطنية الفلسطينية، حتى في لبنان. إذ أن المواقف المشينة التي لطخ بها العديد من زعماء وقيادات المنظمات الفلسطينية جسد القضية المضرج بالدم، لم تولد إلا أحقادًا لدى الجموع يصعب نسيانها.

نهر البارد هزيمة للأحياء الذين قتلوا في القصف المدني، كما هو هزيمة للأموات الذين لم تسلم مقابرهم وجثثهم من القصف.

نهر البارد هزيمة لجميع الأديان والشرائع السماوية والحقوق المدنية والإنسانية، فاعتماد قصف المساجد والمستوصفات والمقابر والمراكز الطبية ومنازل الفقراء الآمنين، نسبيًا، المهمومين بتوفير لقمة العيش كالحل الأول والأوحد لمواجهة الإرهاب، احتقار لأدنى الحقوق الإنسانية، وهو الحق في الحياة. نقطة هنا لأن عبارة "الحق في حياة كريمة" أصبحت تاريخًا يضحك الفلسطينيون اللاجئون في لبنان لدى سماعه.

وأخيرًا...

نهر البارد اندحار للمشروع السياسي الحقير الذي أراد استهداف المقاومة عبر التغرير بعقول الباحثين عن الشهادة، لصنع ميليشيا إرهابية في الشمال توازي حزب الله اللبناني في الجنوب، واستخدامها لضربه في المستقبل القريب.

نهر البارد اندحار، ولو مؤقت، لمشروع التوطين القسري، والتهجير العسكري للفلسطينيين من مخيماتهم، إذ أن تدمير مخيم نائم لم يقاتل رجاله استغرق مائة يوم وكلف الجيش اللبناني ما يزيد على المائة وخمسين شهيدًا ومئات الملايين من الدولارات التي لا يتحملها الاقتصاد اللبناني شبه المنهار. كما أن الغليان الذي أصاب شرائح واسعة من اللاجئين يمنع التفكير في القيام بعمل مماثل ضد مخيم آخر. فلبنان لن يتحمل انفجار اثني عشر مخيمًا في آن واحد، ولا حتى انفجارهم متفرقين.

0 التعليقات: